الحفرة الأمريكية والحمار “الكردي”

محمد معاذ

لطالما سمعنا من أهالينا في الصغر كثيراً من التوبيخات حال تكرارنا لخطأ ما يوصلنا لذات النتائج الكارثية نسبياً، ولعل أشهر تلك الجمل التوبيخية كانت ” الحمار يقع في الحفرة مرة وليس أكثر “، في إشارة منهم أن الحيوان ذو الاذنين الطويلتين والذيل إذا حدث ووقع في حفرة في طريق دربه فإنه إذا سلك ذات الدرب مرة أخرى يبتعد عن الحفرة حتى قبل أن يوصل لها.
هذا الذكاء الغريزي لدى الحمار يبدو أنه مفقود عند سياسي التيارات الكردية المتحكمة بأهلنا الأكراد الذين يشكلون جزءا لا يتجزأ ولا نتخلى عنه من نسيجنا السوري. طبعا هذا التشبيه إن أحسنا الظن بهذه التيارات وسلطات الأمر الواقع، وفسرنا تصرفاتها وتحركاتها بالغباء لا الخيانة والعمالة والتآمر على الأكراد، وقضائهم على أي فرصة تحررية حقيقية لهذا الشعب العظيم، تماماً كما فعل تنظيم داعش المخابراتي بالسنة العرب.
في العراق أعطى صدام حسين رئيس جمهورية العراق ومنذ أكثر من ثلاثين عاما ميزات في الحكم الذاتي، وصلاحيات لن يحلموا فيها لقرون آتية، لكن أحزابهم أبوا إلا الارتماء في حضن أمريكا التي وكما تقول كثير من الوثائق ساهمت بإبادة عدد كبير منهم على أيد الإيرانيين العدو الأبرز للكرد بمجازر نسبت لصدام ولم تستطع محاكم إيران ولا أمريكا إثباتها.
وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق وسقوط بغداد بحرب همجية أمريكية عاد الحمار لذات الحفرة الأمريكية مبتعدا عن بعده السني العربي، الشريك الحقيقي له أينما وجد، فظن الحمار أنه حقق ما كان يخطط له وأنه استطاع القفز من فوق الحفرة التي كانت هذه المرة أوسع من سابقتها وحفرت بهدوء حتى اذا ما كان الشهر العاشر من  عام ٢٠١٧ وجد الحمار نفسه في قاع الحفرة وقد حاوطته ميليشيات إيران مجددا من الحشد الشيعي الإرهابي والجيش العراقي المؤيرن، وبدأ صياح الأحزاب تجاه أمريكا علها تحمي عروشهم الكرتونية، دون أي استجابة فمن حفر الحفرة لن يخرجك منها، فقدمت اكراد العراق تنازلات هائلة للحكومة العميلة في بغداد مقابل توقف الهجوم اتجاههم.

وفي سوريا لم يكن وضع الحمار أحسن حالا، بل على العكس، فقد أمضى دروبه كلها بين سقوط إثر سقوط دون أن يتعلم أو أن يحاول أن يتعلم، ظاناً نفسه أنه أسد الغابة لا حمارها، شعور يتولد له كلما نظر لنفسه عبر مرآة أمريكية الصنع.

وقع الحمار في حفرة عفرين، الذي كان يعلم القاصي والداني أن نتيجتها محسومة، ونهايتها معلومة، لكن هيهات أن يتعلم، فراهن من جديد على الأمريكي، الذي زوده بالسلاح وحفر له الأنفاق وأعطاه ما أعطاه من تمويل، ثم ليتركه في منتصف الطريق بين سندان فصائل مسلحة، جعلت سلطات الأمر الواقع من نفسها عدوة لها بدلا أن تشاركها النضال ضد بشار الأسد، وبين مطرقة تركيا العدو التقليدي للأحزاب الكردية.

واليوم بصورة مشابهة تماما لما حصل في عفرين، لكن بهزيمة سيكون طعمها أكثر مرارا وأقسى بأضعاف المرات، تجر الأحزاب المسيطرة على شرق الفرات، أهل المنطقة بمختلف مكوناتها إلى حفرة جديدة قد تردم هذه المرة عليهم ولا يخرجوا منها.

تجرهم إلى حرب نتيجتها واضحة، والموقف الأمريكي لن يتعدى الانسحاب والمشاهدة كعادته بتعامله مع مرتزقته

فهل سيبرز في الكرد في هذا الوقت الحرج من يأخذ برسن الحمار ويبعده عن الحفرة، ويجنب المنطقة شرور الحرب والدم.

 

*جميع المقالات الواردة بالموقع لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع أنما تعبر عن رأي كاتبها

اترك رد

بريدك الالكتروني لن يكون ظاهراً