منبج مدينة تعاقبت عليها الحضارات

ثقافة سيريانا برس

من الينابيع جاء اسمها، من الماء الطالع من روح الأرض، النابع والمتدفق بكل ما فيه من نقاوة وعذوبة.
فاكتسبت المدينة التسمية من منبع أو منبغ، ليصبح اللفظ منبج، فهي مدينة تعاقبت عليها العديد من الحضارات، والتقت على أرضها عصور من التاريخ.

فتاريخ المدينة بحسب باحثي الآثار يعود لنحو ألفي سنة قبل الميلاد فازدهرت في العهد الحثي وخبت جذوتها لتعود بأوج قوتها في زمن الآراميين، وتزدهر وتتوسع على يدهم، إذ أصبحت منبج العاصمة الدينية للحضارة الآرامية، وأقيم فيها هيكل إله العواصف “حدد”، وآلهة المياه أتاركاتيس. وقد كان تمثال أتاركاتيس يمثلها راكبة على مركبة تجرها الأسود، وفي يدها آلة موسيقية وعلى رأسها تاج. ووصل تألق منبج لأوجه في ظل معبدها القديم، ولا تزال آثاره مبعثرة في الحديقة العامة حتى اليوم، حيث كانت قبلة حج للناس آنذاك، وموطن الإلهة أتاركاتيس. وكانت المدينة تسمى آنذاك هيرابوليس Hierapolis أي المدينة المقدسة وأطلق عليها عدة تسميات منها نامبيجي، فترة حكم الآشوريين للمنطقة.

واسم نابيجو العهد الآرامي، إضافة إلى اسمي نابوج ومابج اللذين يدلان على النبع، بينما اسمها الحالي منبج يعود للغة السريانية بمعنى النبع الكبير والعظيم.
ومن معالم المدينة وأوابدها، المعبد القديم عنوان زهوة المدينة سابقاً، المعبد موطن الإله أتاركاتيس، حيث كان وجهة حج الناس وسميت وقتها هيرابوليس ومعناها المدينة المقدسة.
بعد ذلك عبرت على منبج الحضارة الرومانية، فكانت من أهم قواعد الجيش فيها، وحين بدأت الدعوة المسيحية بالانتشار في بلاد الشام وصلت الى منبج مع وصولها لحلب، وكان ذلك في منتصف القرن الثالث الميلادي. وأصبحت منبج حينها واحدة من المدن المسيحية الهامة وقد انتعشت التجارة فيها بحكم موقعها الوسيط بين الجزيرة والفرات شرقاً وحلب واللاذقية غرباً. كما كانت مركز تبادل تجاري بين مدينة حلب من جهة والبادية ووادي الفرات وسهول حلب الشرقية وعين العرب من جهة أخرى.
وفتحت المدينة على يد أبي عبيدة عياض بن غنم، عام 15 هجري لتصبح منبج أيضاً من أهم المدن الإسلامية في المنطقة، وحصنا دفاعيا هاما جدا للدولة الأموية.
أما أهم عهد لمنبج في التاريخ الإسلامي فقد كان العهد العباسي اذ أصبحت منبج المدينة إمارة حمدانية كبيرة، وقد ولي عليها الشاعر أبو فراس الحمداني، لتصبح منبج المدينة الأكثر أهمية في الدولة الحمدانية، إذ إن هذه المدينة الصغيرة والعظيمة بمساحاتها الخضراء الشاسعة، وبتربتها الخيرة كانت تزود الدولة الحمدانية بكل مستلزماتها من الحبوب والقطن. كما أنها كانت قد اشتهرت في ظل الدولة الحمدانية بالجمال وبذكاء سكانها وبفطرتهم الشعرية، مثلما كانت معروفة بالصناعات اليدوية التي تدل على عراقة هذه المدينة النادرة، مثل صناعة السجاد الفاخر والحصر وصناعة الملابس.

وتقع منبج إلى الغرب من نهر الفرات في أرض منبسطة تنحدر نحو الفرات شرقاً وباتجاه أبو قلقل في الجنوب ونهر الساجور في الشمال، ترتفع عن سطح البحر 475 متراً، وقدر عدد سكانها بنحو 85000 نسمة في عام 2005.
وقد كانت هذه المدينة العريقة سابقاً تسمى بمدينة الحرير لأنها كانت مدينة معروفة بزراعة أشجار التوت وتربية دودة القز، ومن ثم صناعة الحرير الطبيعي النادر والثمين بأيدي ثمينة وماهرة، وقد كانت نهاية تلك الصناعة عام 1241.
كما خرج من منبج العديد من الأعلام والشعراء أشهرهم البحتري وعمر أبو ريشة وخطاط المصحف الشهير عثمان طه.

اترك رد

بريدك الالكتروني لن يكون ظاهراً