العمق الاستراتيجي

مقالات رأي – أسامة عبد الهادي

 

عندما كنت أسير مع عائلتي متنقلا بين دمشق وحمص والحكسة، مروراً بالسلمية والطبقة فالرقة وسلوك، أو تدمر والسخنة فدير الزور حيث تقسم هذه المنطقة إلى “جزيرة وشامية”، يفصل بينهما نهر الفرات، كان يلفت انتباهي أمور ثلاثة:
– مساحات شاسعة
– أرض غنية بالموارد
– فقيرة بالسكان
ولم أكن أعلم يومها أن هذه “الثلاثية” مقصودة لذاتها، تم العمل عليها على مدى عقود، حتى أُطلِق على هذا العمق “المناطق النامية”.
فالشامية هي عبارة عن منطقة البادية السورية، منطقة خصبة غنية بالموارد والثروات الباطنية، صالحة للزراعة، منع النظام أي نوع من أنواع الزراعة فيها، وأصدر قانون مكافحة التصحر، وكل من يزرع المحاصيل تُجرّف أرضه ويعاقب بالسجن، فتحولت إلى محميات لأركان النظام، وضعوا فيها أغنامهم التي “تم نقلها بالطائرات مع بداية الثورة”، مما أدى إلى إفقار سكان المنطقة وهجرتهم منها يبحثون عن العمل.
الأمر ذاته حصل في منطقة الجزيرة حيث أهملت محافظة الحسكة والرقة، فقد تم تجفيف نهر الخابور بفعل بناء السدود عليه، واقتصرت الزراعة على المنطقة الممتدة شمال الحسكة وحول سد الطبقة، فاضطر سكان المنطقة لمغادة أرضهم وديارهم متجهين نحو حمص ودمشق واللاذقية يعملون كأجراء في الزراعة وتربية الحيوان. ومنع عن مدينة الرقة جميع أشكال المرافق والبنى التحتية، مع أنها تتمتع بصفات الدولة وليس المحافظة، بما تحتويه من ماء وكهرباء وزراعة وثروات باطنية وموقع استراتيجي، ورشحت بوقت ما أن تكون عاصمة لسوريا. كما أريد لخط M4 أو طريق “حلب الموصل” أن يبقى مهملا مع أنه يمثل الشريان الاقتصادي لسوريا.

أريد من خلال سياسة الإفقار والتهميش للمنطقة الشرقية جعل توزع السنة العرب على طول طريق M5 أو ما يعرف بطريق “حلب دمشق درعا”، قريبا من قبضة النظام وحاضنته التي بدأت تشكل (مستعمرات طائفية) تحيط بمدن السنة في حمص وحماة وجنوب وشمال وغرب دمشق، والتي كان لها الدور الأكبر في حصار هذه المدن عند انتفاضتها عام 2011.

وفي الجزيرة حيث لا تواجد لمكون طائفي مقرب من سلطته، وبعد كل سياسات الإفقار عمد النظام لزرع بذور الخلاف والفتنة بين مكونات السكان الإثنية، وخصوصا محافظة الحسكة، ولعب على وتر ثنائية (العرب والكرد) ، وفعلت أجهزة الأمن فعلها فيهم، فكل مكون يخاف من الآخر ويشعر أنه يهدد وجوده، وعندما انتفض الأكراد ضده عام 2004 جاء لهم بعرب جنوب شرق الحسكة وأحبط انتفاضتهم، وعندما انتفض العرب 2011 جاء لهم بالأحزاب الكردية وسلطهم على رقابهم فأعملوا بالعرب قتلا وسجنا وتهجيرا من أرضهم وتدميرا لقراهم.
أريد من خلال هذه الممارسات، قبل وبعد الثورة إفراغ هذه المنطقة ذات العمق الاستراتيجي، من سكانها، وتحويلهم من كتلة بشرية مؤثرة إلى مجموعات سكانية متناحرة تستخدم كوقود للمشاريع الأخرى.

حررت الرقة من النظام بداية عام 2013، فلم تكن قوى الثورة على قدر المسؤولية لبناء مشروعها فيها، وتم التآمر عليها وتسليمها لداعش، ليتم حرمان قوى الثورة من مواردها أولا، ولتتوفر جميع الحجج الدولية لتدميرها كما فعل بالموصل ثانيا.

لقد شكلت الأحداث التي تلت الثورة أكبر عامل للتغيير الديموغرافي في هذا العمق السني الممتد من تدمر إلى البوكمال والقامشلي، وأفرغت مدن كاملة من سكانها مثل تدمر والسخنة والقريتين ودير الزور والبوكمال والشدادي ومركدة والصور والمئات من التجمعات العربية الصغيرة في ريف الحسكة الغربي والشمالي، ثم أتبعت لأحد المشروعين وأصبحت الشامية للنظام، والجزيرة للأحزاب الكردية، والصراع الآن على منبج (بوابة الجزيرة والشامية) يأتي ضمن هذا السياق العام.

لقد لعب التفكير المناطقي الضيق دورا كبيرا في عدم تكوين رؤية شاملة ومشروع تكاملي، والاستفادة من هذا العمق الاستراتيجي، فتم اقتلاع العرب وتهجيرهم، وإخراجم من امتدادهم الجغرافي، وحصرهم في كوريدور على طول الحدود مع تركيا، لا يملك أيا من مقومات الإقليم الجغرافية والسياسية والاقتصادية، عمقه الوحيد في الشمال مع الدولة التركية.