“عبد الحميد السراج” رجل الظلّ الذي أسس مملكة الموت في سوريا (2)

فريق التحرير – سيريانا برس
لم يكن السراج مجرد رجل سلطة متعطش للدماء، فكل الإشارات تدل على أنه ثعلب قادر على تفكيك أي مشروع نهضوي في سوريا، فقد عاد من فرنسا لتفتيت الحياة الديمقراطية السورية التي أسّس لها دستور الرئيس المستقيل أديب الشيشكلي، والذي على الرغم من أنه كان عسكرياً، إلا أنه حرص على إجراء التحوّل الديمقراطي في البلاد، عبر مؤسسات شرعية، كان على رأسها الجمعية التأسيسية المنتخبة التي وضعت دستور الخمسينات، برئاسة رشدي الكيخيا، ويعد الدستور الذي وضع حينها الوثيقة الوطنية الأكثر تقدّماً ومدنية بالنسبة للسوريين.

كان للسراج دور خطير في إنهاء كافة أشكال الفن والثقافة في سوريا حيث بدأ باعتقال وإقصاء هذه الطبقة بعد ترأسه لجهاز المخابرات، ونسج مع جهاز المخابرات طبقة منهم ليحيك خطة محكمة للقضاء عليهم، ومن بين الذين جندهم الشاعر السوري علي أحمد سعيد المعروف بأدونيس، وغيره من المترجمين والفنانين التشكيليين ومنهم الفنان المعروف ناجي عبيد الذي شهد على عمل علي أحمد سعيد معه في تلك المرحلة في الشعبة الثانية قبل أن ينتقل إلى بيروت، بينما قام السرّاج بسجن الشاعر محمد الماغوط في سجن المزة أيام الوحدة وبملاحقة رياض الترك بعد خروجه من السجن مما اضطره للعيش منفياً في بيروت، وبذلك تحوّل المكتب الثاني (الشعبة الثانية) إلى كتيبة صفوة تنفّذ ما يأمر به السرّاج، وتقدّم له المشاريع والأفكار والمقترحات والمعلومات.عاشت المنطقة العربية تحوّلات خطرة في تلك المرحلة.
وبعد ظهور حلف بغداد وبدء العدوان الثلاثي على مصر حيث أمّم عبد الناصر قناة السويس، وبدأت حربٌ سمّيت بالعدوان الثلاثي على مصر، شاركت فيها كلٌ من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، كان عبد الحميد السرّاج أحد نجوم تلك الحرب، ولكن على طريقته، فعبد الحميد السرّاج هو رجل المخابرات العسكرية السوري الذي تولى تدمير خطوط أنابيب البترول الممتدة من العراق عبر سوريا إلى سواحل البحر المتوسط لتصب فى الناقلات البريطانية لتغذية احتياجات بريطانيا من البترول، وقد أدى فشل تلك الحرب إلى صعود نجم جمال عبد الناصر في المنطقة، وأفول نجم أنتونى إيدن رئيس الحكومة البريطانية والذي قدم استقالته، وغادر إلى العزلة في أمريكا اللاتينية.

وتشير أصابع الاتهام لعبد الحميد السراج بقضية قرار الوحدة مع مصر، حيث كان يتحكم بكافة مفاصل الدولة عبر أذرعه ويعمل خارج سلطة الرئيس شكري القوتلي وحتى البرلمان السوري، فكان يحيك المؤامرات ويفبركها لصالحه، وأشهر تلك المؤامرات هي فبركة المؤامرة السعودية على سوريا وعبد الناصر، والتي يرويها سامي جمعة في كتابه أيضاً، فقد أرسل السرّاج عبر شخصيات مقربة عائلياً من الملك السعودي سعود بن عبدالعزيز، مناشدات عدّة لتخليص سوريا من براثن الشيوعية القادمة، ومن خطر عبد الناصر، وأكّد له أن الوحدة مع مصر قادمة لا محالة إذا لم يقم العرب وعلى رأسهم السعودية بقطع الطريق عليها، وأن تلك الوحدة ستكون مشروعاً لانقضاض عبد الناصر على الخليج، وطلب المساعدات المالية لدعم الضباط الذين ينوون القيام بانقلاب يضع الحد أمام طموحات عبد الناصر بابتلاع سوريا. وقد استجاب الملك سعود لتلك الطلبات، بعد أن رفعت إليه من خلال شخصيات دمشقية معروفة، وأرسلت مبالغ ضخمة على حسابات في لبنان وصل حجمها إلى 12 مليون جنيه إسترليني، ولكن السرّاج كان يخطّط لأمر آخر، بعد أن أرسل قائمة بأسماء الضباط على رأسها اسم الضابط الاشتراكي السوري مصطفى حمدون المقرّب من أكرم الحوراني، ووضع أمام إسمه مبلغ خمسين ألف جنيه إسترليني، وأخذ يماطل في تنفيذ الانقلاب، ثم ما لبث العالم أن فوجئ في يوم 5 آذار ـ مارس 1958، بجمال عبد الناصر وهو يخطب من منطقة المنشية في دمشق، معلناً اكتشاف وإحباط المؤامرة السعودية المزعومة على سوريا ومصر، معلناً أن السرّاج قام باستلام مبلغ مليوني جنيه إسترليني فقط، وتم كتمان بقية المبلغ، وفيما بعد خصّصه جمال عبد الناصر لبناء برج الجزيرة الشهير في القاهرة، والذي أراده أن يكون بارتفاع الهرم!

في العام 1965 انتقل الملك سعود للحياة في القاهرة، وروى سامي شرف سكرتير عبد الناصر أنه خلال إحدى زيارات الملك للرئيس في بيته في منشية البكري دار حديث بينهما عن الأوضاع في سوريا، حيث عرّج الرئيس عبد الناصر على ذكر موضوع المؤامرة السعودية. وقال للملك سعود بلهجة مازحة: (أبمليوني جنيه كنت تريد إسقاط طائرتي وقلب نظام الحكم يا جلالة الملك؟) فابتسم الملك وقال: (والله لم نكن البادئين فقد جاؤونا ـ يقصد السراج وجماعته ـ مستجيرين مستغيثين طالبين المساعدة لتخليص البلاد من الخطر الشيوعي، أما موضوع الأموال فقد قبضوا 12 مليون جنيه إسترليني لا مليونين).

كلّف جمال عبد الناصر، عبد الحميد السرّاج بوزارة الداخلية إضافة إلى مهامه الأمنية فأنشأ مكتباً أمنياً خاصاً بالشؤون اللبنانية، مركزه في منطقة الحواكير في دمشق، وذكر الموثّقون لتلك المرحلة أن المكتب الخاص كلف خزينة الدولة مئات الملايين، أنفقت بلا حسيب ولا رقيب، واشترى بها السرّاج (عملاء وأحياناً أصدقاء) له في لبنان منهم النواب والوزراء وشيوخ العشائر. وكان من أصدقاء السرّاج في لبنان وقتها، سميح عسيران نائب صيدا وسليمان فرنجية، رينيه معوض، صائب سلام، رشيد كرامي، عبدالله اليافي، صبري حمادة، عدنان الحكيم، شبلي العريان، خيري عوني الكعكي.

حول السراج سوريا لسجن كبير، فأصدر تعليماته بعدم السماح لأي مواطن بمغادرة الأراضي السورية إلا بعد الحصول على (تأشيرة خروج) أو إذن سفر، وأخضع الاقتصاد إلى التحديد والتضييق، ومنع الكثير من المواد الكمالية، فتفشت ظاهرة التهريب من بيروت التي كانت تحافظ على نظامها الاقتصادي الحر، وبدأت تتشكل عصابات تهريب منظمة حماها بعض ضباط الاستخبارات، وكان قد بدأ حينها حربه على الخصم الجديد في اللعبة الدولية، والذي يطلب عبد الناصر مساعدته ويشتري منه السلاح، ولكنه يضرب مصالحه تحت الحزام في مناطق أخرى من العالم، الاتحاد السوفييتي، فكان السرّاج يضغط على الشيوعيين السوريين ليمكّن عبد الناصر من الضغط على السوفييت.

امتدّ عمل السراح ليشمل لبنان عبر المكتب الخاص، فبعد أن زجّ بالشيوعيين السوريين في السجون، ألقى القبض على أحد مؤسسي حزب الشعب اللبناني والقيادي البارز في الحزب الشيوعي في لبنان وسوريا فرج الله الحلو، وأعطى الأوامر بتصفيته بعد تعذيبه، ثم تذويب جثته بالأسيد لإخفاء معالم الجريمة.
ويورد أكرم الحوراني في مذكراته (مذكرات أكرم الحوراني) أن دور عبد الحميد السرّاج بدأ بالظهور أكثر مع الوحدة في العام 1958. ومما يورده في مذكراته الدقيقة والتفصيلية أن افتتاحية جريدة (النصر) السورية المقربة من عبد الناصر قالت في عددها ليوم 6-3-1958 إن عبد الحميد السرّاج هو (المواطن العربي الثاني)، وذلك لأن المواطن العربي الأول كان شكري القوتلي الذي تخلى عن رئاسة الجمهورية لعبد الناصر. ويقول أكرم الحوراني: (إن السراج وبأمر من عبد الناصر لم يكتف بسجن الشيوعيين بل استعمل وسائل التعذيب ضدهم، والتي أدت إلى موت فرج الله الحلو رئيس الحزب الشيوعي اللبناني وتذويبه بالأحماض) (ص 2737 الجزء الرابع من مذكرات الحوراني (كما يذكر الحوراني أنه (فاتح جمال عبد الناصر بموضوع مقتل فرج الله الحلو وحملات التعذيب الواسعة ومقتل صحافي يساري من حلب وهو أرمني اسمه بيير شدرفيان أيضا تحت التعذيب بعد أن قضى حرقا بالسجائر) (ص 2738 الجزء الرابع من مذكرات الحوراني). ومن المفارقات أن لا تجد من يدافع عن عبد الحميد السرّاج في سوريا سوى رئيس هيئة التنسيق السورية المعارضة، فتسمع المحامي والأمين العام لحزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي المعارض بسوريا حسن عبد العظيم يقول في تصريحات له لقناة العربية قبل خمس سنوات: (السراج يتحمل مسؤولية ما وقع على فرج الله الحلو باعتبار أنه كان مسؤولا أمنيا، ولا يمكن أن نلغي مسؤوليته.

ولكن لا يمكن أيضا أن نلغي تاريخ هذا الشخص في حماية الوحدة السورية المصرية، السرّاج قد يكون ارتكب أخطاء ولكن ليست أخطاء تتصل بالوحدة، وإنما أخطاء وقعت في عهده كمسؤول أمن، ولابد أن نذكر الحقد الكبير الذي وقع عليه لأنه كشف الكثير من المؤامرات، فرج الله الحلو اعتقل وتعرض للتعذيب وأصيب بأزمة قلبية وتوفي أثناء التحقيق، فأصيب الضابط المحقق بالخوف والرعب وتخوف من معرفة عبد الناصر بالأمر فقام بحرق الجثة بالأسيد، ونحن نستنكر هذا العمل وهذا كان تجاوزا خطيرا).

واصل السرّاج في ضرب استقرار لبنان، فقد ذكر قريبه غسان زكريا رئيس تحرير مجلة سوراقيا اللندنية في كتابه (السلطان الأحمر) أن السرّاج ساهم في تأجيج الصراع خلال أحداث 1958 في لبنان التي وقعت في نهاية حكم الرئيس كميل شمعون، ودعم الجبهة الوطنية بالمال والسلاح، حتى أن زكريا يعتبر أن السرّاج كان المسؤول الأول عن اغتيال الصحافي نسيب المتني في بيروت في أيار 1958، عندما قام بتكليف عملائه باغتيال المتني لأسباب عدة منها أن صاحب (التلغراف) معارض لكميل شمعون و(محسوب على الشام) على حد قوله، وبذلك تبتعد الشبهات عن السراج. وقد نجح السرّاج في التحوّل إلى الذراع المخابراتية الضاربة لمصالح عدّة في المنطقة، بعضها يمكن فهمه ويقود مباشرة إلى جمال عبد الناصر، وبعضها الآخر يصعب تفسيره، فقد ثبت وقوفه خلف تدبير تفجير رئاسة الوزراء الأردنية في 29 آب 1960 واغتيال عدد من الشخصيات السياسية الأردنية المؤثرة، وبذلك يصبح السرّاج صخرة قوية في المنطقة، وفرد نفوذه على المخابرات وأجهزة الاقتصاد والتنظيم السياسي الوحيد وهو الاتحاد الاشتراكى، ليصبح أقوى رجل فى سوريا بأكملها، فضاق به كثيرون، ولم يكن أولهم ولا آخرهم المشير عبد الحكيم عامر، الذي تنافرت مصالحه ونفوذه مع مصالح السرّاج وعقليته، ففصل بينهما جمال عبد الناصر ورفع مكانة السرّاج إلى منصب (نائب رئيس الجمهورية).

في 28 أيلول سبتمبر1961 انهارت الوحدة بين سوريا و مصر ، انقلاب قام به مجموعة من الضباط على رأسهم العقيد عبدالكريم النحلاوي، احتجاجاً على اعتقال سوريا كلّها باسم الوحدة، وعلى تبديد الثروات، وعلى نقل احتياطي الذهب المركزي السوري إلى مصر، كما شهد بذلك النحلاوي، وكشف من خلالها الجريمة الكبرى التي تم تنفيذها باسم الوحدة، والتي لم تقدّم سوى المزيد من إهانة السوريين والسوريات.
زجّ بـ”عبد الحميد السرّاج” ورفاقه في سجن المزة، بعد القبض عليه في إحدى ضواحي دمشق، ولكن جمال عبد الناصر دبّر عملية سرية لتهريبه استغرقت ساعات، تعرّض خلالها السرّاج في طريقه إلى بيروت، لأكثر من تسع محاولات اغتيال، تمكن من النجاة منها، واختبأ في المختارة في بيت كمال جنبلاط، ثم غادر إلى القاهرة، حيث طلب جمال عبد الناصر أن يتم إحضار عبد الحميد السراج إلى منشية البكري لتناول الإفطار معه، وفي اليوم التالي نشر خبر صغير في الصفحة الأولى بجريدة (الأهرام) بعنوان (عبد الناصر يستقبل عبد الحميد السراج بمنشية البكري).

انتهت حقبة رجل الرعب عبد الحميد السراج في 1961 لكن جهاز المخابرات الذي أسسه مازال يقبض على سوريا، بعد أن وصل لحافظ الأسد الذي سخره بدوره لتوطيد إمبراطورية الفتك بسوريا و تحويلها مزرعة لعائلة الأسد.

اترك رد

بريدك الالكتروني لن يكون ظاهراً