جرائم الحرب في الشمال السوري بين التغييب وقلب الحقائق

أنس الخطيب 

ترتكب ميليشيات قسد يومياً جرائم بحق الإنسانية مستهدفة المدنيين في الشمال السوري، فلا يكاد يخلو يوم من تفجير لدراجة نارية ملغمة أو سيارة مفخخة وسط الأسواق والأحياء السكنية المكتظة بالآمنين من النساء والأطفال ومن لا علاقة له بالعمل العسكري، مخلفة آلاف الشهداء والجرحى دون أن نسمع لهذه الجرائم أي صدىً في وسائل الإعلام العربية والدولية ولا في أروقة السياسة العالمية.

ويتكرر المشهد المرعب الذي خلفه التفجير في مدينة الباب هذا الأسبوع، في مسلسل دموي ليس آخر حلقاته استهداف مدرسة في إحدى قرى تل أبيض وقصف آخر استهدف منازل المواطنين في إعزاز بالمدفعية الثقيلة والصواريخ حاصدة أرواح عدد من أبناء المناطق المستهدفة والهاربين إليها من جحيم قاذفات الموت الأسدية والروسية، وباتت أخبار التفجيرات واستهداف المدارس والمشافي من نافلة القول وقوائم الضحايا لا تحصيها أقلام العادين ولا صحفهم.

ويطالب القانون الدولي الإنساني والأعراف الشرعية والدولية بأن تقوم أطراف النزاع بالتمييز بين المدنيين الذين توفر لهم الحماية، والمقاتلين الذين هم أهداف مشروعة للهجوم، ولا يجوز بحال استهداف المدنيين عمداً؛ على الرغم من أنه قد لا يتعرضوا للقتل أو الإصابة، إذا حدث ذلك كجزء من هجوم متناسب على هدف عسكري، وبحسب قانون النزاعات والحرب يجب على جميع أطراف النزاع اتخاذ التدابير اللازمة للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين والأعيان المدنية (مثل المباني السكنية والمدارس والمستشفيات)، ويجب ألا تنفذ هجمات لا تستطيع التمييز بين المدنيين والمقاتلين، أو تتسبب في أضرار غير متناسبة للمدنيين.

وتنص الاتفاقيات الدولية على أن أي انتهاك جسيم حيال المدنيين يندرج تحت جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ومع هذا فإن التجاوزات الممنهجة للميليشيات الانفصالية بحق المدنيين في مناطق غصن الزيتون ودرع الفرات ونبع السلام وحتى داخل الأراضي التركية لم تلفت انتباه أي من الدول الغربية التي تدعي أنها الراعية لحقوق الإنسان وحتى المنظمات الدولية المعنية كمنظمة العفو الدولية ومن خلفها الأمم المتحدة ومجلس الأمن تتجاهل بشكل مقصود هذه الجرائم اليومية.

ويكفي أن يقوم المتابع بجولة على المواقع والصفحات الرسمية لتلك المؤسسات آنفة الذكر ليلحظ تغييباً لهذه المآسي الإنسانية في مقابل تسليط الضوء على ما يسمونه تجاوزات أو جرائم ترتكبها تركيا وفصائل الجيش الوطني في مناطق العمليات العسكرية في إطار نبع السلام، لكن تلك الحوادث في مجملها كانت في سياق التعامل مع أهداف عسكرية ولا تشبه بحال العمليات الإرهابية التي تقوم بها قسد في المناطق البعيدة عن جبهات القتال، ولم توثق تلك المنظمات حتى اللحظة استهداف قوات الجيشين التركي والوطني السوري لأي مدني خلال المعارك الأخيرة، رغم محاولات الفبركة ونسبة بعض الفيديوهات لجرائم نظام الأسد في مناطق أخرى من سوريا على أنها تجري شرق الفرات وقصف قوات قسد للأحياء السكنية في القامشلي وغيرها من المدن لاتهام الطرف الآخر بها، لكن أي من هذه التجاوزات المزعومة لم تثبت، واتضح كذبها وافتعال بعضها.

وعمدت كثير من الجهات إلى سياسة قلب الحقائق فمثلاً تحول مشهد أسر مقاتلة في صفوف قسد على يد قوات الجيش الوطني، وحمل أحد العناصر لها دون إيذائها أو توجيه أي إساءة لها ومعاملتها وفق قانون الحرب الدولي المتعلق بأسرى النزاعات العسكرية إلى انتهاك صارخ وسلط عليه الأضواء وعلقت عليه الصحف ووسائل الإعلام مع أنه لم يحمل أي انتهاك أو تجاوز بل كان يمثل صورة حسنة عن كيفية معاملة الأسيرة التي كانت تحاول الوصول إلى مكان تجمع للكتيبة التي أسرتها لتفجيرها نفسها.

ويظهر من خلال التصريحات الأخيرة للرئيس والمسؤولين الأتراك في دفاعهم عن الجيش الوطني السوري وخاصة في الفترة التي سبقت زيارة “أردوغان” لواشنطن وبعد عودته منها، أن هناك مساع أمريكية وغربية لتصنيف الجيش الوطني واتهامه بالإرهاب رغم عدم ثبوت قيامه بأي انتهاك بحق المدنيين والتزامه بالقانون الدولي الإنساني، وهو أول من حارب الإرهاب المتمثل بنظام الأسد وداعش والقاعدة في سوريا، ويسعى لحماية المدنيين ويفتديهم كما أظهرت مئات الفيديوهات في شرق الفرات وغيرها، بالتزامن مع استمرار دعم تلك الدول لميليشيا مرتبطة بـ PKK المصنف على قوائم الإرهاب وتمارس يومياً جرائم بحق الإنسانية وهو ما يفضح هذه الدول ويضيف إلى سجلها الملطخ بدماء الأبرياء وصمة عار جديدة.

ويكشف هذا السلوك الأمريكي والغربي عموماً أن ما تدعيه من حرب على الإرهاب مجرد كذبة كبرى تريد من خلالها تغطية وتجميل مشاريعها القذرة في المنطقة والتي تهدف لإعادة رسم المنطقة جيوسياسيا وديمغرافيا بما يحقق أهدافها واستراتيجياتها، وهو ما لا يتحقق إلا بعمليات الإبادة الجماعية والتهجير والانتهاكات الممنهجة بحق السكان (السنة العرب).

يحتم الواجب الوطني والثوري والإنساني على كل حر أن يقوم بدوره في مواجهة التعتيم الإعلامي وتسليط الأضواء على انتهاكات الميليشيات الإرهابية، ونقل صورة الوضع في المناطق المستهدفة، وهذا الدور يفترض أن يقوم به الناشطون الحقوقيون والإعلاميون ومؤسسات الثورة الإعلامية والحقوقية وقنواتها شبه الغائبة عن هذا المشهد وقبل هذا المكاتب القانونية للائتلاف الوطني السوري والأحزاب والتيارات المعارضة.

اترك رد

بريدك الالكتروني لن يكون ظاهراً