مجزرة “قاح” بصمة إيران الدموية في يوم طفولة العالم الصامت

مقال رأي – أنس الخطيب

تتصاعد وتيرة الغارات الجوية والقصف الصاروخي والمدفعي الذي يستهدف بالدرجة الأولى المدنيين الآمنين في إدلب ومحيطها، رغم الاتفاقات الموقعة في أستانة وسوتشي والتي تنص على خفض التصعيد، وضماناً على وقف القصف ومحاولات التقدم داخل المنطقة، إلا أن نظام الإجرام الأسدي ومن خلفه الاحتلال روسي لم لم يلتزموا بهذه الاتفاقيات كما سابقاتها، في حين يبرز الدور الإيراني العسكري في الشمال السوري بعد غياب دام لأشهر.

مجدداً ظهرت إيران واضعة بصمتها الدموية بالقرب من الحدود السورية التركية، لتختار فرائسها من الأطفال والنساء الذي أحرقت جثثهم مع خيمهم التي يفترض أن تحميهم من برد الشتاء بعد أن لاذوا بها هرباً من الموت لكنها سرعان ما تفحمت وهي تلف أجسادهم الغضة في جريمة جديدة من سلسلة لا تنتهي حلقاتها ولا أجزاؤها من الجرائم بحق الشعب السوري.

وكانت مراصد عسكرية تتبع للجبهة الوطنية للتحرير التابعة للجيش الوطني السوري أكدت أن الصاروخ الذي سقط على المدنيين في مخيم “قاح” بريف إدلب، مصدره مزرعة دواجن في قرية “الوضيحي” القريبة من قاعدة “جبل عزان” في ريف حلب الجنوبي، وهي قاعدة تخضع لسيطرة الحرس الثوري الإيراني، الذي يشارك مؤخراً في الهجمات المستمرة على تلة “كبينة” بريف اللاذقية، حيث تسلم الحرس الثوري الإيراني مهمة قيادة العمليات البرية في المنطقة بتنسيق مع القوات الخاصة الروسية التي لم تنجح في إحداث خروقات بتلك الجبهة على مدار الأشهر الماضية.

مجزرة “قاح” وقبلها بساعات قليلة مجزرة “معرة النعمان” في يوم الطفل العالمي، بدت كرسائل تهنئة من نوع خاص تنذر بانتشار هذه الدموية في العالم، مع ما يلحظه المراقب من صمت للمجتمع الدولي عن هذه الجرائم، باستثناء موقف أمريكي خجول لا يخرج عن سياق المهاترات الخلبية مع روسيا في الملف السوري، في ظل غياب لأصوات الساسة والحكومات في أوروبا التي من المفترض أن يكون لها موقف آخر كونها معنية بشكل أكبر لما للموقف الحالي من ارتدادات عليها، خاصة وأن هذا التصعيد في إدلب ومحيطها يبشر بموجة لجوء جديدة، وبالتطرق إلى الجامعة العربية ومنظمة العالم الإسلامي فإن انتظار أي مواقف في هذا الصدد نوع من العبث والحديث فيه لا طائل منه سوى مزيد من التأسف والتندر.

لكن هذا الصمت المريب يشي بأن التصعيد الحاصل وارتفاع وتيرة القصف وتزايد المجازر، ليس خارجاً عن مضامين التفاهمات بين الروس والمجتمع الدولي وقبل هذا بين إيران والمجتمع الدولي في سوريا، ويبدو أن إيران وروسيا لا تغردان خارج السرب وهم يرتكبون هذه الانتهاكات التي يندى لها جبين الإنسانية، ووصمة العار في تاريخ النظام الدولي القائم ومرتكزاته الحضارية المزعومة، وهنا لابد من دق ناقوس الخطر لتنتبه شعوب العالم الحرة ولتستفيق قبل أن تستيقظ ذات يوم لتجد نفسها تعيش ما يعيشه الشعب السوري.

بالعودة إلى الجريمة النكراء التي وقعت في مخيم قاح نجد أنها جمعت ثلاث جرائم حرب في آن واحد، الأولى هي قصف المناطق السكنية التي نزح منها ضحايا هذه الحادثة في عمليات تهجير قسري وتغيير ديمغرافي خدمة للمشروع الإيراني، جرت في معظمها برعاية من الأمم المتحدة التي من المفترض أن تمنع مثل هذه العمليات لا أن ترعاها وتشرف عليها، والثانية أن عملية نقل المدنيين يجب أن تكون إلى مناطق آمنة لا إلى مناطق تنتظرها محرقة كما كان يحذر وزير خارجية أمريكا الأسبق “جون كيري” في لقاءاته مع المعارضة والمبعوث الأممي “ديميستورا” الذي زعم أنه استقال كي لا يصافح الأسد وهو الذي صافحه عشرات المرات مقدماً مع كل مصافحة هدايا بالمجان للرئيس المجرم من قبيل رعاية تهجير عشرات المناطق المحاصرة والمحررة، والثالثة هي استهداف مخيم سكني يقطنه أبرياء لا ذنب لهم لتلاحقهم آلة الإجرام والإرهاب التابعة لنظام الأسد ومن خلفه إيران وروسيا.

يبدو أن نزيف إدلب المستمر منذ سنوات لن يتوقف في ظل غياب الرغبة الدولية بإيقاف الحل العسكري الذي ينتهجه النظام وحلفاؤه، بل تحول الصمت الدولي لضوء أخضر يشجع هذا الحل بذريعة محاربة الإرهاب والقضاء على التنظيمات المتطرفة التي لا تستهدف أرتالها طائرات الروس ولا صواريخ الإيرانيين ولا ترصدها أقمار الغرب والشرق الصناعية فهي مشغولة بملاحقة الأطفال والنساء في مخادعهم وخيمهم وتحت أشجار الزيتون، وفي المدارس التي تحولت لمراكز إيواء وعلى أسرة المشافي الميدانية التي قدمت الأمم المتحدة إحداثياتها لروسيا حتى تكون خارج دائرة الاستهداف فإذا بها تتربع على قوائم القصف بالصواريخ الفراغية والارتجاجية وكل ما من شأنه أن ينهي الحياة في آخر ملاذات السوريين.

 

أمام هذه الجرائم وسكوت العالم عنها لابد من عودة للحراك السوري في كل المحافظات والمهجر لإغاثة إدلب والوقوف معها ونقل صوتها، فغياب التظاهرات والاعتصامات في العواصم الغربية غير مبرر وكذلك ضعف التغطية الإعلامية في القنوات والصحف العالمية، والدور الأكبر يجب أن يضطلع به الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وصقور المعارضة في الهيئة العامة للمفاوضات واللجنة الدستورية ووفود المعارضة إلى جنيف وأستانة وفصائل الجيش الوطني بقيادة وزارة الدفاع.

اترك رد

بريدك الالكتروني لن يكون ظاهراً